هناك تحفظ بل وتخوف يلحظ عند البعض تجاه الأفكار المغايرة للسائد، التي تثار بين الحين والآخر في الوسط الثقافي، لكني لا أجد داعٍ لهذا التحفظ، إذ ليس هناك حظر شرعي يمنع من إثارة الأفكار والنظريات المغايرة لمجرد مغايرتها وعدم انسجامها مع الثقافة الدينية، فالقرآن الكريم أثار العديد من التصورات الخاطئة في معرض تأسيسه للرؤى الدينية، كما في قوله تعالى:(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (يونس:48)، وكما في الآيات 51-54 من سورة الزخرف، التي تضمّنت إشكالات فرعون على نبوة نبي الله موسى
، وأمثال ذلك كثير ليس في القرآن فحسب وإنما في الروايات أيضاً.
بل هو أمر جرت عليه سيرة العلماء قديماً وحديثاً، إذ من عادتهم في بحوثهم العلمية عرض النظريات الأكثر خطورة على الدين والقيم قبل مناقشتها.
فأصل الإثارة بغض النظر عن أي عناوين ثانوية ليس فيه حظر من جهة الشارع المقدس، وإن كان في النصوص الشرعية ما يظهر منه وجوب الرد على أي فكرة إذا صدق عليها عنوان الفتنة، حيث روى يونس بن عبد الرحمن عن الصادقين
: (إذا أقبلت الفتن فعلى العالم أن يظهر علمه وإلا سُلِب نور الإيمان).
نعم إذا كانت الأفكار المغايرة ضرباً من الشك، ولم يحرز بخصوصها علمٌ وجداني أو تعبدي، وكانت إثارتها بغرض التشكيك للرأي العام، أو كانت بطبيعتها تستلزم التشكيك، فالظاهر من النصوص الشرعية حرمة إثارتها والله العالم، لما ورد حول حرمة تداول ونشر كتب الضلال، وحرمة إثارة التشكيكات، كما يظهر من الآيات 51-56 من سورة الصافات، وما أشبه. ولذلك فإنها لو أثيرت في محافل خاصة بعيداً عن الرأي العام فلا إشكال.
أما إذا كانت الفكرة المغايرة تستند إلى علم وجداني أو تعبدي، ومغايرتها مجرد مغايرة لفكر سائد لا أكثر، فلا إشكال من إثارتها، ولو كان صاحب العلم هذا يعلم من جهة أخرى بخطأ ذلك الفكر السائد وجداناً أو تعبداً، فآنئذ يجوز له إثارة فكرته المغايرة حتى على نحو التشكيك، كما فعل خليل الله إبراهيم
مع قومه عندما رأي الكوكب والقمر والشمس وكرر القول:(أهذا ربي) على نحو التشكيك.
وأعتقد أن إثارة القرآن الكريم والروايات وكذلك العلماء للأفكار المغايرة عند تأسيس الأفكار الدينية، هو تعبير عن الإعتزاز بالفكر الديني، وأنه إلى درجة من القوة بحيث لا يمكن أن يصرعه أو يشوهه فكر آخر، فترى القرآن الكريم يأتي بأخطر الأفكار ثم يجيب عليها بأدق الأجوبة بحيث لا يدع مجالاً للشك أبداً. لذلك فإن التخوّف الذي نلحظه كثيراً في الأوساط الثقافية الدينية من إثارة الأفكار المغايرة، ما هو إلا نوع من ضعف الثقة بالفكر الديني، واستعداد مسبق للهزيمة أمامه، وقد يكون أيضاً كاشفاً عن ضعف القدرات العلمية عند المثقف الديني. أما المتمكِّن والمتعمِّق في الفكر الديني فلا أعتقد أن الأفكار المغايرة تخيفه.
ثم أن الفكرة المغايرة مهما كان مستواها التشكيكي، لا يمكن حجبها في مثل هذا العصر، فهي ستقال من قبل غيرنا لأن الوسائل عندهم أقوى منا بكثير، فأن نقولها نحن ونناقشها خير من دس الرأس في التراب. فنحن - بحسب المثل الصيني- لا نستطيع أن نمنع العاصفة، ولكننا نستطيع أن نقوي الشجر.









