بين النسبية والإطلاق في الفكر الديني
الشيخ فيصل العوامي - 23 / 3 / 2010م - 7:15 ص

نحن أمام مقدمات خمسٍ، لو قمنا بضمِّها إلى بعضها لاقتربنا أكثر إلى الرؤية المناسبة حول جدلية النسبية والإطلاق في الفكر الديني:

1. الدين إنما جاء ليُفهَم، وإلا لما كانت له أي ثمرة، إذ ما فائدة دين لا يمكن لأتباعه فهمه، مع أنهم مكلفون بالالتزام به.

2. حقيقة الدين تكمن في تلك المرادات الجدية التي أرادها المتكلم، وهو الله سبحانه وتعالى، إذ لا معنى لألفاظ متقاربة إذا لم يكن لتنسيقها الخاص هدف، وهو ناتج عن مراد المنسِّق، لذلك فإن الوقوف على تلك الحقيقة لا يتسنى إلا بمنهج يحفر ليصل إلى الهدف الحقيقي من ذلك التنسيق حسب ما أراده منسقه.

3. لا يمكن أن يكون الدين متعدداً في جميع جوانبه، لأنه يحمل رسالة خاصة للإنسانية جمعاء، كما أشارت إلى ذلك الآيات من قوله تعالى:(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) (الشورى:13)  وكمؤشر على ذلك ما يُلحَظ من الخطاب الجمعي في الآيات القرآنية، حيث أنها في بعض الصور تخاطب المجموع كمجموع لا كأفراد، كما في أوامر الجهاد.

4. من بين المعارف المتداولة تتواجد الكثير من الأفكار المتفق عليها من غير نكير أو اعتراض، فكيف عُرِفَتْ وشُخِّصَتْ..؟. إنما تحقق ذلك من خلال الخطاب، وذلك يعني أن الخطاب يمكن أن يُفهَم منه شئ واحد وهو الواقع المراد على نحو قطعي.

فمع التسليم بوجود نصوص موهمة تحتمل معانٍ متعددة قد يكون أحدها الواقع وقد لا يكون، غير أنه أمر نسبي وشواهده محدودة، لإمكان إدراك المعاني الواقعية في غيرها من النصوص، ولو تعذّر الوقوف على الواقعيات بشكل مطلق، لتعذّر على البشر التفاهم فيما بينهم، والملاحظ خلاف ذلك، فالتفاهم القائم بين البشر على أساس الواقعيات أكبر دليل على إمكان إحرازها من خلال الخطابات الشفاهية والكتابية.

5. إن استمرار البحث العلمي أكبر شاهد على وجود حقائق وإمكانية تحصيلها، فالهدف الأساس من العلوم إنما هو السعي للظفر بالحقائق، ولو لم يمكن الوصول إليها من الأصل لما كان للبحث العلمي أي جدوائية، ولأصبح ضرباً من اللغو والترف، وهو خلاف المرتكز في أذهان الباحثين والعلماء.

فاستمرار البحث العلمي دليل على وجود حقائق، وعلى قدرة العقل على التوصل إليها. فإذا أُحرزَتْ الحقيقة أمكن أن تكون فوق الزمان والمكان، لأنها حقيقة، وخير شاهد على ذلك الوجدان، إذ أننا لو نتأمل فيما حولنا من قناعات وأفكار وأحكام لوجدنا أن الكثير منها ثوابت ومطلقات، متجاوزة لحدود الزمان والمكان.

ثم أن الاستنتاج التاريخي الذي يقول باستحالة ولادة فكرة تتعالى على الزمان والمكان، إن صحّ فسيصبح أكبر دليل على بطلانه، لأن هذه الاستحالة إن كانت ثابتة ودائمة، دل ذلك على إمكان ولادة أفكار متجاوزة لتلك الحدود الزمانية والمكانية، وإن لم يصح أو كان نسبياً، كانت النتيجة إمكان ولادة تلك الأفكار المتجاوزة لتلك الحدود ولو بنحو نسبي، وهو كافٍ في عدم القبول بالنسبية نحو مطلق.