كلمة المرجع في الشأن السياسي قد تكون فتوى ملزمة، وقد تكون مجرد رأي، وعند صدور الفتوى يكون المكلَّف ملزَماً شرعاً باتّباعها، سواء كان ذلك المكلف فرداً أو جماعة، أما عند صدور الرأي من قبل المرجع فإن المكلَّف بالخيار، إذ بإمكانه أن يلتزم في مواقفه العملية بهذا الرأي، كما بإمكانه أن يعمل بتصوراته الشخصية.
وسريان هذا الأمر ليس على مستوى الأفراد غير المنتمين لتشكيلات حزبية، بل وحتى على مستوى المنتمين، فالمكلف المنتمي لحزب ملزمٌ باتّباع فتوى المرجع حتى لو تعارضت مع القرار الحزبي، أما لو كان الصادر من المرجع مجرد رأي، فهو مخيَّر، وبالتالي يمكنه أن يعمل بالرأي الحزبي ولو كان على حساب الرأي المرجعي.
ومع ذلك فالمجتمعات الشيعية -باعتبار قوة الإنتماء المرجعي لديها، وثقتها بمستوى النضج والحكمة عند مراجع التقليد وابتعادهم عن الحسابات المصلحية- غالباً ما تتعبّد بمواقف مراجعها سواء كانت على سبيل الفتوى أو الرأي.
مع العلم بأن ما يصدر من الجهات المرجعية في المجالات السياسية غالباً ما يكون على سبيل الرأي لا الفتوى، بل قلّما نشهد صدور فتوى ملزمة، لأن موارد الحاجة إليها تقتصر على المواطن الحرجة جداً التي لا يجدي فيها إلا تظافر الجهود، كأيام ثورة التنباك في إيران، وثورة العشرين في العراق، والحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، ومن المعلوم أن مثل هذه المواطن قليلة بل تكاد تكون نادرة قياساً للمعاملات السياسية اليومية للمكلفين. وهذا إنما يدل على مستوى الحرية في العمل المرجعي، وأنه أبعد ما يكون عن الديكتاتورية والاستبداد، فالمرجع لا ينظر إلى مقلِّديه على أنهم عبيد أو أُجَرَاء ملزمون بمجاراته في جميع مواقفه الخاصة والعامة، أو يتخذهم وسائل للتقوِّي وتوسعة النفوذ، وإنما ينظر إليهم على أنهم أحرار وعقلاء مخيَّرون وهو مكلَّف برعايتهم وتكريس الحرية في حياتهم.









